الفيض الكاشاني

112

أنوار الحكمة

والمشيئة تحدث ضرورة في القلب عقيب الداعي . فهذه ضروريّات ترتّب بعضها على بعض ، وليس لنا أن ندفع وجود شيء منها عند تحقّق سابقه ، فليس يمكن لنا أن ندفع المشيئة عند تحقّق الداعي للفعل ، ولا انصراف القدرة إلى المقدور بعدها ؛ فنحن مضطرّون في الجميع ، فنحن في عين الاختيار مجبورون ؛ فنحن إذن مجبورون على الاختيار . [ كيف يستند الحوادث إليه تعالى ] قال بعض العلماء « 1 » : الحوادث كلّها مستندة إلى القدرة الأزليّة ، ولكن بعضها مرتّب على البعض في الحدوث - ترتّب المشروط على الشرط - فلا تصدر من القدرة الأزليّة والقضاء الإلهي إرادة حادثة ، إلّا بعد علم ، ولا علم إلّا بعد حياة ، ولا حياة إلّا بعد محلّها ؛ ولكنّ بعض الشروط ممّا ظهر للعامّة وبعضها ممّا لم يظهر إلّا للخواصّ المكاشفين بنور الحقّ . فكلّ ما في عالم الإمكان حادث على ترتيب واجب وحقّ لازم ، لا يتصوّر أن لا يكون كما يكون ، وعلى الوجه الذي يكون ، فلا يسبق سابق إلّا بحقّ ولا يلحق لاحق إلّا بحقّ ، كما أشير إليه بقوله سبحانه ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ 44 / 39 ] . فما تأخّر متأخّر إلّا لانتظار شرطه ، إذ وقوع المشروط قبل وقوع الشرط ممتنع ، والمحال لا يوصف بكونه مقدورا ؛ فلا يتخلّف العلم عن النطفة « 2 » إلّا لفقد شرطه - وهو الحياة - ولا الإرادة عن العلم إلّا لفقد شرطها - وهو القدرة - ولا الفعل عن القدرة إلّا لفقد شرطه - وهو الإرادة ؛ وكلّ ذلك على المنهاج الواجب ، والترتيب الواجب ، ليس شيء منها ببخت واتّفاق ؛ بل كله بحكمة وتدبير .

--> ( 1 ) مقتبس من إحياء علوم الدين : كتاب التوحيد والتوكل ؛ بيان حقيقة التوحيد الذي هو أصل التوكل : 4 / 372 . ( 2 ) مل : النظر .